( فكر بهدوء واضرب بقوة )
__________________________________
_________________________________
قاض شرعي، ومدرس، وصحفي، ومجاهد، وأمير، ورئيس دولة
نعم، هذه الصفات اجتمعت كلها في شخصية فريدة هي شخصية الأمير الكبير عبد الكريم الخطابي "يرحمه الله تعال
ولئن سألت الناس عنه في زماننا هذا لما عرفه إلا القليل، وهذه مصيبة كبرى من مصائبنا ، إذ كم للإسلام من أبطال عميت سيرتهم على أكثر أهل زماننا هذا، وإنا لله وإنا إليه راجعون ..
_________________________________
ولد في بلدة "أغادير" في الريف المغربي بين "مليلية" و"تطوان" سنة 1301هـ/ 1883م، ودرس القرآن والعربية، وذهب لإكمال دراسته إلى "مليلية" وجامعة القرويين بـ"فاس"، وعاد منها ليُعيَّن نائبًا للقاضي في "مليلية"، ثم قاضيًا، ثم صار أقضى القضاة (قاضي القضاة) وعمره آنذاك لم يتجاوز الثالثة والثلاثين، وهذا دليل على نبوغ مبكر، وكتب في الصحف، ودرس في بعض المدارس، وكان أبوه أميرًا على البربر الذين في الريف المغربي، وجاهد مع أبيه في الحرب العالمية الأولى مع الدولة العثمانية، وذلك سنة 1334هـ/ 1915م
---
بداية البطولات :
قتل والده في معركة مع الإسبان سنة 1920م وقيل مات مسمومًا فالله أعلم.
وابتدأ الأمير محمد سلسلة المعارك مع الإسبان وكان معه أخوه الذي نُفي معه فيما بعد، وعمه عبد السلام، حيث ابتدأهم بمناوشات أسفرت عن انتصاره وطرد الإسبان من حاميتين مهمتين ، بل كانت إحداهما ذات موقع استراتيجي فريد، فغضب الإسبان وأرسلوا له جيشًا من ستين ألف جندي وطائرات وعتاد ضخم ، لكنهم حذروا القائد العام للحملة من قوة الخطابي وبأسه، فاستهزأ قائلاً: أنا ذاهب لأمسح حذائي في الريف، وإسبانيا آنذاك ثالث قوة أوربية، وهي وسائر حليفاتها الأوربيات قد انتصرت في الحرب العالمية الأولى ، مما جعل زهوها وغرورها يتضاعف.
فكانت النتيجة صدمة للصليبين ..
عندما اقتربت الحملة الصليبيه من بلدة "أنوال" بالريف، كمن لها الخطابي في قوة من ثلاثة آلاف، فمزّق جيش الإسبان تمزيقًا مدهشًا، حيث قتل منهم ما يزيد على ثمانية عشر ألفًا، وأسر الباقي حتى لم يسلم من الجيش سوى ستمائة فقط، وغنم عشرين ألف بندقية، وأربعمائة رشاش، ومليون طلقة، وطائرتين، وتفرق القتلى على مساحة خمسة أميال، ونصر الله عبده "الخطابي" نصرًا عجيبًا في وقت غريب، في زمنٍ لا يتوقع فيه أحد أن ينتصر المسلمون على جيش صليبي مسلح بسلاح حديث، لكن الحماسة الإيمانية الدافقة التي كانت في قلب الخطابي وجيشه، ونَصْر الله -تعالى- له أولاً وآخرًا قَلََب كل المعادلات، وأخرس كل الألسنة، وكان وقع الهزيمة في أوربا مدويًا، واستغل الخطابي الفرصة، فطهّر الريف المغربي من الإسبان، وحصرهم في "سبتة" و"مليلية" فقط، وهذا باقٍ إلى يوم الناس هذا
نستنتج ان عدد الجيش الاسباني كان يزيد عن 60 الف جندي مجهز بأحدث الاسلحه والطائرات
وعدد المجاهدين المسلمين 3 آلاف فقط بأسلحه بدائيه!
وكانت النتيجة:
قتل من الاسبان مايزيد عن 18 الف جندي ، وتم أسر الباقي ولم ينجوا إلا 600 فقط!
----
ثم عادوا الأسبان واعدوا للخطابي جيشاً ضخماً يزيد عن 100 ألف وحاصروا عاصمة الخطابي"أجدير" لمدة ثلاث اسابيع .
فأظهر الخطابي ومن معه بطولات رائعة جدًّا ونادرة في وقت عزت فيه البطولة وانعدم النصر أمام الغرب في العصر الحديث، واستطاع الخطابي ومن معه أن يقتلوا من الإسبان أربعة آلاف في أقل الروايات، واضطر الجيش الإسباني للانسحاب ذليلاً إلى مدريد.
---
تحالف اوروبا على الخطابي
بعد ذلك تحالفوا الصليبين گ عادتهم بعدما صدموا من بطولات الامير الخطابي وترأست فرنسا هذه المعركة بقيادة المارشال المتجبر المتكبر الفرنسي "ليوتي" وقال :
إن انتصار المسلمين في الريف الإسباني وعلى سواحل البحر المتوسط يعني إنشاء إمبراطورية إسلامية، وفتحًا جديدًا لأوربا من قبل المسلمين، وهذا أمر لا يمكن القبول به، وبهذا التخويف دخلت فرنسا الحرب ضد الخطابي على رغم أنف البرلمان الذي كان معارضًا، فاجتمعت إسبانيا وفرنسا عليه في جيش عدده زهاء نصف المليون، وحاصر الأسطول الفرنسي الخطابي، (والأسطول الفرنسي كان أعظم أسطول بحري في العالم آنذاك) وكانت الطائرات التي حاربته منتظمة في أربعة وأربعين سربًا، وصارت تقذفه وجنده بأنواع القنابل وهو صابر محتسب في خندقه، وأوقع بهم في أوقات خسائر جسيمة.
---
عضو مجلس العموم البريطاني "كورتي" يقول:
خطر عظيم
إن هذا الرجل الذي ينادي باسمه أهل آسيا وإفريقيا والهند، ويتغنون باسمه.. إن هذا الرجل الذي يزعم هؤلاء أنه يقاتل باسم الإسلام ويعيد إمارة المؤمنين والخلافة الإسلامية، إنه لخطر عظيم على البلاد الأوربية.
(هكذا كان يؤثر فيهم الخطابي الذي لا يعرفه، ولم يسمع بإسمه أكثر المسلمين اليوم، وإنا لله وإنا إليه راجعون)
وكان المسلمون يستقبلون انتصارات الخطابي بدموع الفرح والاستبشار الشديد في الهند وعموم آسيا وإفريقيا وذلك أنه كان يجاهد أثناء وبعد إلغاء الخلافة العثمانية، فكانوا يأملون عودتها على يديه.
لكن الكثرة الكاثرة تغلب الشجاعة، فجيش عبد الكريم كان 3 آلاف فقط ولم يبق منهم سوى 200 مجاهد فقط، وهؤلاء الصليبين مئات الآلاف ومعهم الطائرات وكل الأسلحة التي هزموا بها ألمانيا وإيطاليا والدولة العثمانية ولم يقدروا على الخطابي ولجئوا لمخططهم الخبيث بشراء الخونه والعملاء وهنا بدأت المؤامرات بعدما عجزوا على مواجهة الخطابي.
وخانت بعض الطرق الصوفية الخطابي، حيث كانوا يوزعون منشورات تقول إن القتال معه ليس من الجهاد، وخانه بعض رؤساء القبائل الذين اشتراهم الفرنسيون، وكانوا ينهون شبابهم عن القتال مع الخطابي.
ولم يجد الخطابي الدعم من الدول الاسلامية، حيث كانت أكثر الدول الإسلامية قد سقطت في قبضة الصليبيين أو الشيوعيين أو عملائهما فلم يجد مفرًّا من التسليم بعد أن بقي في مائتين فقط، لكن كان التسليم تسليم الأبطال، فقد بقي يفاوض للصلح زمانًا طويلاً من منتصف سنة 1925 إلى منتصف سنة 1926ميلادية تقريبًا 1345 هجرية، أي سنة تقريبًا وكان يرفض الاستسلام رفضًا باتًّا؛ لكنه لما استشار المائتين ممن بقوا معه أشاروا عليه بحقن الدماء، فالطائرات كانت تقذف بالغازات السامة والقنابل، وتقتل الرجال والنساء والأطفال، فأشاروا عليه بعقد صلح مشرف، والبقاء في البلد والاستعداد للقتال في أقرب فرصة.
---
وهنا بدأ الاستسلام
لم يجد بدًّا من إمضاء الصلح، لكن الفرنسيين واصلوا قذف القرى بالطائرات بعد التسليم، فقال لهم عبد الكريم: سيكون من المدهش أن تصيب طائراتكم الرجال في هذه المرة، إذ كانت العادة ألا تقتل إلا النساء، إن حضارتكم حضارة نيران، فأنتم تملكون قنابل كبيرة إذًا أنتم متحضرون، أما أنا فليس لدي سوى رصاصات بنادق، وإذًا فأنا متوحش. وكان بهذا يستهزئ بهم، ويقيم الحجة عليهم؛ لأنهم كانوا يتهمونه بالبربرية والتوحش.
----
غدر الفرنسيين
أوصى أتباعه بالاستمساك بالدين وعدم الركون إلى المستخربين المحتلين، ولما سلَّم نفسه للفرنسيين بعد كتاب موثق للصلح وإبقائه في الريف، خانوا عهدهم معه كعادتهم وكعادة كل (المستخربين) الذين سموا زورًا وبهتانًا بـ(المستعمرين)، فنفوه إلى جزيرة "رينيون" في المحيط الهادي شرق مدغشقر لمدة إحدى وعشرين سنة.
وكانوا قد منعوا عنه في السنوات العشر الأولى كل وسيلة اتصال بالعالم الخارجي، فحرموه من الجرايد والمجلات ومن كتبه التي أتى بها معه، ثم سمحوا له بعد ذلك بها، فقضى هذه المدة الطويلة في التأمل والذكر والدعاء والصلاة، فسبحان الله كم يُصبّر عباده؛ إذ لو كان غيره لأصابه الجنون أو أمراض نفسية مزمنة، لكنه الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب فيصنع حينئذٍ ما يشبه المعجزات.
----
قررت فرنسا ارسال الخطابي الى فرنسا
فأتت به سفينة من الجزيرة ومرت بعدن للتزود، فتسامع الصالحون من اليمنيين والعراقيين والفلسطينيين في عدن بمرور سفينة الخطابي فأبرقوا لمصر، وطلبوا من المكتب المغربي فيها أن يحتالوا لإنزال الخطابي من السفينة، وكانت سفينة تجارية، فدبر الأستاذ عبد الرحمن عزام الأمر وهو أول رئيس للجامعة العربية -ومن العاملين نحسبه كذلك والله حسيبه- دبّره مع "الملك فاروق"
وكان ذلك سنة 1947م، وصعد برجال إلى السفينة وطلبوا من قائدها أن ينزل الخطابي لمقابلة الملك، والسلام عليه هو وأخوه وعمه عبد السلام، فانطلت الحيلة على القبطان، وسمح بنزول الخطابي، فأبقته مصر عندها، وهنا قامت قيامة فرنسا وثارت لكن بعد فوات الأوان.
ومن الطريف أن فرنسا اتهمت مصر بالخيانة والغدر، سبحان الله!
هم أهل الخيانة والغدر الذين نكثوا عهدهم مع الخطابي ونفوه وعشرين سنة.
----
وفاة الامير الخطابي
توفي رحمة الله في 1 من رمضان سنة 1382هـ - 6 فبراير 1963 ولم تذكره وسائل الاعلام بكلمة واحده ولم يؤبن التأبين اللائق به ودفن بمقبرة الشهداء "بالقاهرة"
لكن هكذا كل عظيم من الرجال يموت في هذا الزمان، فقلما ينال ما يستحقه من إبراز لعمله، وإظهار لمآثره، وبيان لجهاده ودعوته، لكن لا يضره أن العبيد أهملوه وملائكة السماء -إن شاء الله- استقبلوه، ولا يؤثر فيه إهمال سيرته إذا كانت مكتوبة في الملأ الأعلى بحروف من نور بإذن العزيز الغفور.
ونحن لن نيئس أبدًا إن شاء الله تعالى؛ ففي الإسلام عشرات الآلاف من الأبطال من أمثال الخطابي، وسيكون للإسلام دولة بإذنه تعالى على أيدي هؤلاء الأبطال {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء: 51].
-----
شهادة الصحفي الأمريكي "فانسن شين"
شهادة صحفي أمريكي
كان موجودًا آنذاك في ساحة المعارك يتابعها قال: دخلت على "عبد الكريم" في خندق أمامي، والطائرات الإسبانية والفرنسية تقذف المنطقة بحمم هائلة فوجدته متبسمًا مرحًا مقبلاً -الله أكبر ما أجمل وأحسن نفوس الصالحين- يضرب ببندقيته الطائرات، فتعجبت من هذا الرجل الذي استطاع أن يحافظ على إيمانه وعقيدته في خضم الظروف المحيطة به، وكنت أتمنى أن أمكث أكثر فأكثر مع هذا الرجل العظيم الذي تحيطه هالة من الوقار والجلال، وأقارن به ساسة أوربا التافهين المشغولين بأمور تافهة فلا أكاد أجد وجهًا للمقارنة، وتمنيت أن أظل أكثر مما ظللت مع هذه الظاهرة البشرية الفريدة التي تأثرت بها أيما تأثر، أرأيتم كيف يؤثر المسلمون الصادقون في الناس عامة، وفي أعدائهم خاصة؟
..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق